تفاهمت الدول الأوروبية فيما بينها عام 1906م في مؤتمر الجزيرة الخضراء بأسبانيا على تقسيم شمال إفريقيا، وقبلت بأن تأخذ إيطاليا البلاد الليبية من الدولة العثمانية، التي كانت في أوج ضعفها، وأن تبسط كل من فرنسا وأسبانيا يدهما على بلاد مراكش. بدأت إيطاليا تتغلغل تدريجيًا في ليبيا. فقام المنصرون الإيطاليون الكاثوليك مدعومين من قبل الحكومة كسلطة سياسية، ومن البابا كسلطة دينية كاثوليكية، بإنشاء المدارس التنصيرية والمستشفيات والمراكز الصحية، والمصارف، ونشطوا في العمل التجاري داخل مدن ليبيا، وأقاموا بنوك التسليف الزراعي لإمداد المواطنين الليبيين بالقروض، تمهيدًا لاغتصاب أرض المدينين في حال عدم قدرتهم على تسديد ما عليهم من قروض.


النزاع العثماني الإيطالي. أبلغت إيطاليا الحكومة العثمانية عن نيتها باحتلال ليبيا، وطلبت منها تسهيل الاحتلال بحجة حماية رعاياها من الاضطهاد العثماني، والمحافظة على المصالح الاقتصادية للإيطاليين. وكان الموقف العثماني في ظل عهد جماعة الاتحاد والترقي ضعيفًا جدًا أمام التهديد الإيطالي، فاكتفت بدعوة إيطاليا للجلوس إلى طاولة المفاوضات تجنبًا لاستخدام القوة. ولكن الحكومة الإيطالية رفضت ذلك لعدة أسباب من أهمها: أ- ضعف الموقف الحربي العثماني في ليبيا. ب- الموقف الإيطالي المدعوم من قبل الدول الأوروبية باستثناء ألمانيا والنمسا. جـ- ما كانت تتمتع به إيطاليا من قوة بحرية وبرية. د- ضعف الموقف الداخلي في ليبيا، إذ إن المقاومة العسكرية في ليبيا تظل محدودة الطاقات والإمكانات بالنسبة للهجوم الإيطالي المركز.

أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية في سبتمبر عام 1911م، وهي الحرب التي عرفت بالحرب الإيطالية ـ الطرابلسية. فحاصر الأسطول الإيطالي مدينة طرابلس الغرب مدة ثلاثة أيام، بعدها سقطت المدينة بيد المستعمرين الإيطاليين. لم تتوفر للمقاومة الشعبية القوة اللازمة لقهر الإيطاليين وردهم على أعقابهم. كما لم تكن قدرة الدولة العثمانية القتالية بالمستوى المطلوب. ولم تكن القوة بين الطرفين متكافئة، ورغم المقاومة العثمانية المحلية التي قادها السنوسيون، تمكن الإيطاليون من احتلال ليبيا عام 1911م.

وأثناء الحرب، وكوسيلة ضغط على الدولة العثمانية نقل الإيطاليون الحرب ضد مواقع عثمانية أخرى، فضرب الأسطول الإيطالي ميناءي بيروت والحديدة. واحتلوا جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط، ثم احتلوا مجموعة جزر الدوديكانيز. وهاجمت السفن الإيطالية الحربية ممر الدردنيل وغير ذلك من المواقع العثمانية الأخرى. ورأت الدولة العثمانية أنها وقعت في حرب لا قدرة لها عليها. ولاحت في الأفق بوادر حرب جديدة ضد الدولة العثمانية في البلقان. فاضطرت الدولة العثمانية إلى قبول المفاوضات مع الإيطاليين. وقد أدت بريطانيا دورًا بارزًا في المفاوضات التي دارت بين الدولة العثمانية والحكومة الإيطالية. وتخلت جميع الدول الأوروبية عن الدولة العثمانية في محنتها أثناء هذه الحرب فأصدرت فرنسا بيانًا أعلنت فيه حيادها، ونهجت كل من روسيا وبريطانيا النهج نفسه. ووقفت كل من ألمانيا والنمسا موقف المتفرج. وبذلك خلا الجو السياسي والعسكري لإيطاليا لتنفرد بالدولة العثمانية.

وأمام الأزمات الداخلية والعسكرية والاقتصادية التي مرت بها الدولة العثمانية رأت حكومة مختار باشا الغازي أن تصل بالمفاوضات مع إيطاليا إلى نتيجة حاسمة، فأرسلت وزير الزراعة العثماني وزودته بصلاحيات واسعة، وتم الاتفاق على عقد معاهدة صلح بين الدولة العثمانية والحكومة الإيطالية في 18 أكتوبر عام 1912م بعد توسط من قبل حكومة بريطانيا، وقد عرفت تلك المعاهدة باسم معاهدة أوشي لوزان. وقد حوت المعاهدة إحدى عشرة مادة. تعهدت فيها الدولتان بإيقاف حالة الحرب بينهما، وسحب القوات من جبهات القتال، فتسحب الدولة العثمانية قواتها من طرابلس وبرقة. وتسحب إيطاليا قواتها وسفنها من الجزر العثمانية التي احتلتها في بحر إيجة. كما أن الدولة العثمانية سحبت جميع الموظفين الإداريين العاملين في ليبيا. وأعلن السلطان العثماني منح ليبيا استقلالاً تامًا، أي أن السلطان العثماني جرّد الدولة العثمانية من كل أنواع السيادة على ليبيا. وبالمقابل أعلنت إيطاليا عملاً بقوانينها جعل ليبيا خاضعة تمامًا للسيادة الإيطالية، وأعلنت العفو العام في ليبيا تقربًا للسكان. ووعدت بالإبقاء على الخطبة باسم الخليفة العثماني، وأقرت بأن يكون في طرابلس نائب خاص للسلطان يضمن حكم البلاد على أسس الشريعة الإسلامية.

وقد جاء توقيع معاهدة أوشي لوزان، بعد أن احتل الفرنسيون الجزائر وتونس، واحتل البريطانيون مصر، وأصبحت الدولة العثمانية مطوقة في إفريقيا. وهكذا نفذ الأوروبيون اتفاقياتهم السرية الرامية إلى تقسيم شمال إفريقيا فيما بينهم.

سيطر الاستعمار الإيطالي على البلاد الليبية، ووضع الأحرار في السجون، ونهب خيرات البلاد، وارتكب أبشع الجرائم ضد الشعب الليبي، ففي محاولة للقضاء على مقاومة الشعب الليبي نفذ الجنود الإيطاليون في 23 أكتوبر عام 1911م مجزرة في طرابلس الغرب ذهب ضحيتها العديد من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب. وأباح الجنرال كانيفا، قائد الحملة بلدة المنشية مدة ثلاثة أيام.


المقاومة الليبية ضد إيطاليا. ثار الشعب الليبي المسلم ضد الحكومة الإيطالية. وظلت الدولة العثمانية تعمل على تعزيز المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي رغم أنها كانت قد استسلمت أمام الإيطاليين وهجومهم. فقد زار أنور باشا القائد العثماني واحة جغبوب والتقى الشيخ أحمد السنوسي الذي قاد المقاومة الليبية ضد الإيطاليين في 20 نوفمبر 1912م. وكان الشيخ أحمد السنوسي قد اتخذ من واحة الكفرة مقرًا له، ومنها انتقل إلى واحة جغبوب، حيث قاد المقاومة الليبية ضد الطليان (الإيطاليين) ودعى الشعب الليبي للكفاح لطرد المستعمر المحتل والدفاع عن الوطن، مؤججًا الحماس في نفوس الليبيين. فدخلوا معارك التحرير ضد الاحتلال الإيطالي.

هبّ الشباب الإسلامي من مصر وسورية والعراق للتطوع في صفوف المجاهدين في ليبيا. وكان في المقدمة منهم الشباب المسلم: عزيز علي المصري، وتحسين العسكري، وصبحي الطرابلسي، ومحمود حلمي، وعيسى البغدادي، وإسماعيل الطرابلسي، يناصرون جهاد إخوانهم الليبيين.

وأثبت المجاهدون قدرتهم على مقاومة الإيطاليين على الرغم من عدم تكافؤ القدرات بينهم وبين المستعمر الإيطالي. وقد اضطرت هذه المقاومة ملك إيطاليا إلى إصدار مرسوم يقضي بالمحافظة على شعائر الإسلام، وسمح بالدعاء للسلطان العثماني في خطبة الجمعة على منابر المساجد والجوامع الليبية، إلا أن المجاهدين رفضوا الانخداع بهذه الوعود وواصلوا جهادهم ضد المستعمر.

ولم تقتصر دعوة الجهاد ضد الطليان على الليبيين وحدهم، وإنما انتشرت تلك الدعوة في ربوع العالم الإسلامي، ودعمها المسلمون في كل مكان، وساندها رؤساء الحكومات العربية وعلى رأسهم الملك عبدالعزيز آل سعود وإمام اليمن، كما ساندتها المنظمات والهيئات العربية والإسلامية، وقد كان لمصر دور رائد ومتميز في هذه المساندة، فهي لكونها تجاور ليبيا من الشرق، فإن من السهل عليها إدخال الأسلحة والعتاد والمؤن والأدوية عبر حدودها إلى ليبيا لدعم المجاهدين. وقد كان موقف الشعب العربي في مصر رائعًا تجاه دعم المقاتلين وتقوية جذور المقاومة الليبية ضد الاستعمار. فقد تأسست في مصر الجمعية المصرية لدعم الجهاد الليبي ضد الإيطاليين، وكانت برئاسة الأمير عمر طوسون. كما تألفت لجان لجمع التبرعات من الأهالي، وكان من أهمها اللجنة المصرية العليا لجمع تبرعات المصريين وإرسالها إلى ليبيا بطرق سرية، وكان يرأسها في مطلع تشكيلها الشيخ علي يوسف. وأخذ الدعم للمجاهدين الليبيين يتعاظم، ممّا ساهم في استمرار مقاومتهم. وتتابعت المعونات والمساعدات من أهالي الحجاز وبلاد الشام وتركيا والهند وكذلك من بلدان المغرب العربي.