الأدب الأمريكي
الأمريكي، الأدب. بدأ الأدب الأمريكي بداية متواضعة، ثم مالبث أن أخذ مركزه بين الآداب الأولى في العالم. ومن خصائصه المميزة أنه يمجد المثل العليا، وصفات الاعتماد على النفس والاستقلالية، واحترام الإنسان، والتأكيد على الديمقراطية، وحب الطبيعة والخروج عن التقاليد الأدبية من أجل كل إبداع جديد. وتُعد الفكاهة عامَّة، والفكاهة الساخرة أيضًا من الخصائص المميزة لهذا الأدب. وقد شهد تطور الأدب الأمريكي عدة مراحل هي:


أدب المستعمرات (1608-1765م)
كتب المستعمرون الأمريكيون قصصًا لتسجيل أنشطتهم، وحياة المستعمرات في الأراضي الجديدة. وكذلك مواعظ لتعليم دروس أخلاقية، وأشعار دينية نصرانية، وأيضًا كتيبات لمناقشة بعض النقاط السياسية.


عصر الازدهار الأول (1765-1850م)
انحسرت خلال القرن الثامن عشر الميلادي الاهتمامات الدينية أمام الاهتمامات السياسية، فبعد أن أصدرت بريطانيا قانون الطابع عام 1765م انتشرت الاحتجاجات في أرجاء المستعمرات وكتبت ووزعت الكثير من الكتيبات الثورية ومنها أعمال ذات قيمة أدبية مهمة.

ظهرت أشكال أدبية جديدة بعد الثورة الأمريكية، فقد أشعل الاستقلال السياسي رغبة قوية للاستقلال في فن الأدب ولأول مرة انفصل أدباء أمريكا عن ماضيهم الأوروبي.


السياسة والكتيبات. أصبح بنيامين فرانكلين المتحدث باسم المصالح الأمريكية في القرن الثامن عشر، وقد نقد السياسات البريطانية في كتيب بعنوان القوانين التي يمكن أن تحول إمبراطورية عظيمة إلى إمبراطورية صغيرة (1773م). كما قدم كتابات أخرى من الهجاء السياسي ولكنه لم يتقيد بالكتابة في السياسة فقط، وأنتج أدبًا بالغ التأثير وهو يؤدّي دوره كناشر ناجح وعالِم باحث وفيلسوف مفكّر. أكثر أعماله انتشارًا كتاب تقويم ريتشارد المسكين (1733- 1758م) بفضل ما يزخر به من أمثال وحكم مازحة ذكية. وأهم عمل أدبي هو السيرة الذاتية التي لم يتمها والتي أصبحت مثالاً لكثير من القصص عن الارتفاع من الحضيض إلى الثراء.


نيويورك مجتمع المهاجرين الهولنديين. أصبحت نيويورك في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين مركزًا مشعًّا للإنتاج الأدبي. وانتقل أول أهم روائي أمريكي تشارلز بروكدن براون من فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا إلى نيويورك، وكان أول أمريكي يجعل الأدب مهنته الرئيسية، وكتب أعماله على نسق قصص الرعب البريطانية المعروفة باسم الروايات واشتهر بقصة ويلاند (1798م) وقصة أدجار هنتلي (1799م).

ساهم ثلاثة أدباء آخرون مرتبطون بنيويورك مساهمة كبيرة في تطور الأدب الأمريكي: 1- واشنطن إيرفنج 2- جيمس فينيمور كوبر 3- وليام كلن برايانت، وكانت أعمالهم أول أدب أمريكي يعترف به في أوروبا. أسعد إيرفنج قرَّاءه بالهجاء الذي كتبه بعنوان حكاية المهاجر الأمريكي عن نيويورك (1809م) وكان إيرفنج يعيد قص الحكايات الشعبية في أعماله التي لاقت قبولاً كبيرًا من القراء ونشرت في كتاب اسكتشات جيوفري كرايون، جنت (1819و1820م). كما أعجب إيرفنج بالشرق الإسلامي وكتب عن الثقافة العربية في الأندلس. وهو من مؤسسي القصة القصيرة. انظر: القصة القصيرة.

كان كوبر يكتب قصص مغامرات عن الأماكن الجديدة المتاخمة لنيويورك في عصره، وأشهر أعماله قصص تخزين الجلود وهي سلسلة من خمس روايات. تبدو شخصيات كوبر أحيانًا غير حقيقية وكثيرًا ما يبدو أسلوبه مبهجًا أكثر من اللازم، ولكنه اخترع أول بطل أمريكي من مكتشفي الحدود ناتي بامبو، وتصور رواياته مثل: البراري (1827م) الرجل الأمريكي وهو يطوع الأراضي القفراء.

عمل برايانت كرئيس تحرير وصاحب ومؤلف جريدة نيويورك إيفننغ بوست على مدى خمسين عامًا. كتب في شبابه قصيدته الشهيرة عن الموت (1811م) كما كتب عن الطبيعة مثل الشاعر الإنجليزي وردزورث.


تحرير العبيد والعم توم. أصبحت مشكلة العبيد خلال الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي قضية ساخنة في الولايات المتحدة. ونشر المنادون بتحرير العبيد مقالات وروايات وكتيبات وقصائد لتحريك الرأي العام. قاد وليم لويد جارسون وهو صحفي من بوسطن حملته المعارضة لنظام العبيد على صفحات جريدته رجل التحرير.

اشتهرت هارييت بيتشر ستو كأكثر المنادين بتحرير العبيد تأثيرًا. فقد بيعت ملايين من النسخ من روايتها المثيرة للحماس والعواطف كوخ العم توم (1851-1852م) التي ساعدت على اشتعال الحرب الأهلية عام 1861م، وما زالت تقرأ حتى الآن.


الأدب الأمريكي يبلغ مرحلة النضوج (1850-1900م)
ظهر جيل جديد من أدباء أمريكا حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. لم يتّجه هؤلاء الأدباء إلى إنجلترا بحثًا عن الإلهام، بل كتبوا عن وطنهم وقومهم وقاموا بالتجريب في الأشكال الأدبية وقدموا مواضيع وأفكارًا جديدة، وخلقوا أدبًا قوميًا حاز على الإعجاب والاحترام في مختلف أرجاء العالم.



المتعالون
المتعالون. كان المتعالون مجموعة من كتاب نيوإنجلاند تؤكد على أن بصيرة الإنسان بفطرته وحواسه تسمو على المعرفة التي تأتي عن طريق المنطق أو الاستنتاجات.

أصبح رالف والدو إمرسون المتحدث باسم أنصار الفلسفة المتعالية في مقالاته مثل الاعتماد على النفس (1841م) الذات العليا (1841م). كما كتب أيضًا عددًا من القصائد الفلسفية. أما هنري ديفيد ثورو صديق إمرسون فقد طبق نظريات الفلسفة المتعالية فعاش عامين حياة بسيطة في والدن بوند بولاية ماساشوسيتس وسجل تجربته في أفضل أعماله والدن، وهذا الكتاب يغوص في عمق الطبيعة ومكامن النفس البشرية ومعنى الحياة. نشر المتعالون مجلة دايل (1840-1844م) وتضم الجماعة التي ساهمت في هذه المجلة جورج ربلي، مارجريت فولر، وآموس برونسون ألكوت، والد لويزا ماي ألكوت مؤلفة رواية نساء صغيرات (1868-1869م) التي اعتمد مضمونها على حياتها الخاصة.


برهميو بوسطن. ينتمي بعض أشهر أدباء القرن التاسع عشر الميلادي إلى الطبقة العليا من مجتمع نيو إنجلاند وأصبحوا معروفين باسم (برهميو بوسطن)، وتأتي هذه التسمية من اسم أعلى طائفة في الديانة الهندوسية. وأبرز أدباء هذه المجموعة هم هنري ودزورث لونجفلو، وجيمس رسل لوويل، وأوليفر وندل هولمز.

كان لونجفلو من أكثر الشعراء تأثيرًا في عصره وما زال الناس يحبون القصص الشعبية التي وضعها في قوالب شعرية مثل: إيفانجلين (1847م). ويعتبر كثير من النقاد قصيدته الكوميديا الإلهية وكذلك مؤلفاته من السونيتات أفضل أعماله.

اشتهر لوويل بالسخرية والنقد السياسي في مذكرات بيجلو (1848م) ورؤيا السير لونفال (1848م). كما نشر قبل الحرب الأهلية الأمريكية عددًا من القصائد المناهضة لنظام الرق. وبعد ذلك كتب قصيدة غنائية في ذكرى الشهداء (1865م) تمجيدًا لشهداء الحرب، وأظهر لوويل موهبته كناقد أدبي في حكاية النقاد (1848م) وهي قصيدة هجاء ساخرة. كان هولمز طبيبًا، وزعيمًا لمجموعة البرهميين في بوسطن، وقد عبر عن تصوره للطبقة العليا في سلسلة مقالات مرحة بعنوان الحاكم المطلق لمائدة الإفطار (1858م). ومن أشعاره قصيدة هجاء ساخر عن موضوع الكلفينية.


الأدباء المستقلون. لم ينتمِ عدد من أدباء أمريكا البارزين إلى أية جماعة أو حركة ويمكن فهم أعمالهم في إطار عبقريتهم الخاصة فقط. اشتهر إدجار ألان بو كشاعر وكاتب للقصة القصيرة، وناقد أدبي. كان يكتب شعرًا يسوده جو من الحزن والرعب ويتميز بالحرص التام على اتباع الوزن والإيقاع الشعري. وقد كتب قصائده مثل: الغراب الأسحم (1845م) و آنابل لي (1849م) انطلاقًا من نظريته أن أفضل موضوع للشعر هو مأساة وفاة سيدة جميلة. ركز بو في قصصه على حبكة الرواية واستخدام جو الغموض والإثارة. أصبحت قصة جرائم في شارع المشرحة (1841م) وقصة الخطاب المسروق (1845م) مثالاً يُحتذى في كتابة القصص البوليسية، كما تركت نظريات بو النقدية أثرًا كبيرًا على كتّاب القصة القصيرة وأشكال الأدب الأخرى.

أدى ناثانيل هووثورن، مثل بو، دورًا رائدًا في تطوّر القصة القصيرة كشكل أدبي هام، وأعماله تؤكد على الشخصيات ومغزى القصة. حاول هووثورن استكشاف طبيعة الشر في قصصه مثل قصة قناع الوزير الأسود (1836م) وأفضل أعماله الحرف القرمزي (1850م) وهي رواية تصوّر الآثار المأساوية للخطيئة تصويرًا دراميًا.

استمد هرمان ملفيل مادة رواياته من حياة البحر التي عاشها في صباه؛ وكانت أولى رواياته تايبي (1846م). أما أفضل أعماله فهي موبي ديك (1851م)، حيث إنها ذات قيمة أدبية كبيرة كقصة مغامرات ودراسة رمزية لقوى الخير والشر.

اعتبر النقاد شعر والت ويتمان الحر، نسمة من الهواء المنعش في الشعر الأمريكي. انظر: الشعر. تغنى ويتمان بمدح أمريكا والديمقراطية. ونشر ديوانه أوراق العشب عام (1855م) ثم أعاد نشره عدة مرات بإضافات شعرية؛ وضمن طبعة عام 1867م قصيدة رمزية عن وفاة أبراهام لنكولن.

كتبت إميلي ديكنسون وسيدني لانيير شعرًا غنائيًا في قوالب غير تقليدية. وإميلي لم تُعْرَف أثناء حياتها فقد نُشِرَت معظم قصائدها بعد وفاتها. كتبت بعبقرية كبيرة عن الحب والطبيعة والموت والخلود واتسمت قصائدها بعدم الالتزام بأوزان الشعر وقوافيه أو قواعد اللغة مما كان له أثره الكبير على شعراء القرن العشرين الميلادي.

أما سيدني لانيير فقد كتب أشعارًا ذات إيقاع موسيقي رخيم، وتعكس قصائده موهبته الموسيقية وحبه للجنوب. نظم في قصيدته السيمفونية (1875م) الكلمات والإيقاع الشعري بحيث تصور الاستخدامات المتتابعة للآلات الموسيقية وكتب قصائد عاطفية عن الطبيعة مثل: مستنقعات جلين (1878م).

تخصص بعض الأدباء في كتابة حكايات طويلة مفعمة بالفكاهة لها طابع المبـالغة عن أبطـال وأحداث. وعُرِفَ هؤلاء الأدباء بكتَّاب الأدب الكوميدي، وقد أرست أعمالهم أساسًا للحركة الواقـعية التي سيـطرت على الأدب الأمريكي خـلال القرن العشرين. انظر: الواقعية.

يعتبر مارك توين أحد أشهر أدباء أمريكا. جمع في كتاباته بين روح الفكاهة والدعابة، واللون أو الصبغة المحلية النابضة بالحياة، وعبقريته الخاصة لإبداع بعض أكثر القصص المحببة على مدار السنين. أهم أعمال مارك توين هي مغامرات توم سوير (1876م) و مغامرات هَكْلبري فِن (1884م)، وتقع أحداث هاتين الروايتين على نهر المسيسيبي. إن هَكْلبري فِنْ أكثر جدية من الرواية الأخرى وهي تتناول بالنقد الزيف وعدم الإنسانية التي تنطوي عليها القيم والعادات التي سادت المجتمع الأمريكي آنذاك.


السذج خارج الوطن. شرع الأمريكيون في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، على ما يبدو، في إعادة اكتشاف أوروبا والشرق الإسلامي. واتجه السياح الأمريكيون إلى تلك البقاع في رحلات كبيرة، وقد تناولهم مارك توين بالسخرية في روايته السذج خارج الوطن (1869م). قام السياح في رواية مارك توين بمغامرات فرحة مبهجة تركتهم دون انطباع بالعادات والأخلاق الأوروبية. اشتهر بعض الكتاب الآخرين بكتيبات للأمريكيين السياح المسافرين خارج الوطن.

طور هنري جيمس فكرة عالمية المضمون في روايته صورة سيدة (1880-1881م) والسفراء (1903م). أبطال هاتين الروايتين أمريكيون يعيشون في أوروبا. كان جيمس يختبر الثقافة الأمريكية والشخصية الأمريكية بدراسته لرد فعل شخصيات رواياته للأجواء الجديدة المحيطة بهم. وُلد جيمس بالولايات المتحدة ولكنه عاش معظم حياته في أوروبا وقد كان لنظرياته عن الرواية والقصة أكبر الأثر على الروائيين الأوروبيين والأمريكيين.


من عام 1900 حتى 1950م
تأثر الأدب الأمريكي بثلاثة تطورات في الفترة ما بين 1900 و 1941م حين دخلت الأمة الحرب العالمية الثانية: 1- وصلت الثورة الصناعية إلى قمتها في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. انظر: الثورة الصناعية. بدأ كتاب القرن العشرين ينظرون نظرة واقعية إلى المشاكل الاجتماعية الملحة التي نتجت عن الثورة الصناعية. 2- كانت الحرب العالمية الأولى والانهيار الاقتصادي في الثلاثينيات من القرن العشرين سببًا في نقد الكثير من الأدباء للحياة الأمريكية. 3- فتحت أبحاث ودراسات سيجموند فرويد في النمسا في التحليل النفسي مجالات جديدة في مكامن النفس البشرية يمكن للأدباء محاولة اكتشافها.


أدباء المدرستين الواقعية والطبيعية. مهد ستيفن كرين وفرانك نوريس وهارولد فريدريك وثيودور درايزر الطريق لمؤلفات فعالة وغزيرة من أدب المدرستين الواقعية والطبيعية. درس كرين ردود فعل الحرب على جندي شارك في الحرب الأهلية الأمريكية في روايته وسام الشجاعة الأحمر (1895م). وركز نوريس على صراعات أصحاب مزارع القمح في كاليفورنيا في روايته الأخطبوط (1901م)، وصور فريدريك عام 1896م الصراعات الدينية لشاب من رجال الكنيسة، أما درايزر فقد صدم الكثير من القراء بصراحته الشديدة في رواية الأخت كاري (1900م)، وتتناول روايته الشهيرة مأساة أمريكية (1925م) قضية جريمة حقيقية.

قدم كثير من الأدباء قصصًا كثيرًا ما اتسمت بالقوة والقسوة، وما زال القراء يرتجفون من مغامرات الكلب بك بطل رواية جاك لندن نداء البرية (1903م). وصور جيمس تي فاريل في كتاباته حياة الطبقة العاملة في جنوب شيكاغو بولاية إلينوي. كما رسم نلسون ألجرين الصراعات اليومية لطوائف الأقليات من الطبقة العاملة في شيكاغو في روايته المهمة الرجل ذو الذراع الذهبية (1949م). تخصص جون أوهارا في الوصف الواقعي لحياة الطبقة المتوسطة العليا في رواياته مثل موعد في سامارا.


أدباء النقد الاجتماعي. استخدم بعض الكتاب المنهج الواقعي أو منهج المدرسة الطبيعية في الأدب لتعرية الفساد في المجتمع بهدف الوصول إلى الإصلاح. هاجمت جماعة من الصحفيين والروائيين مثل: لنكولن ستيفنس، إيدا تاربل، وأبتون سنكلير انعدام الشرف في السياسة والتجارة وقطاع الأعمال الأمريكي في أوائل القرن العشرين الميلادي. وقد ساعدت رواية سنكلير الدغل (1906م) في صدور القوانين الفيدرالية الخاصة للغذاء النقي في الولايات المتحدة حيث تصف الظروف غير الصحية التي كانت سائدة في صناعة تعبئة اللحوم في شيكاغو.

تعرضت جوانب كثيرة في الحياة الأمريكية للنقد الأدبي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م. شن هـ. ل منكن هجومًا عنيفًا على ضيق أفق الذوق الأمريكي والثقافة الأمريكية في سلسلة مقالاته المسماة اتجاهات منحازة (1919- 1927م). ونقد شيروود أندرسون الحياة من وجهة نظر سيكولوجية في مدينة صغيرة في مجموعة قصصه واينز برج، أوهايو (1919م). أما سنكلير لويس فقد هاجم في روايته الشارع الرئيسي (1920م) صفات الزيف والنفاق والعناء التي اتسمت بها حياة سكان مدينة صغيرة في الغرب الأوسط في أمريكا. وكان لويس أول أمريكي يحصل على جائزة نوبل عام 1930م.

ازداد النقد الاجتماعي خلال فترة الكساد العظيم في أربعينيات القرن العشرين. درس توماس وولف الأخلاقيات والقيم الأمريكية في رواياته الشعرية الأربع التي تبدأ برواية انظري إلى البيت ياملاكي (1929م) وهي جميعها مستوحاة من حياته الشخصية. تناول جون داس باسوس الطبقات الاجتماعية في الولايات المتحدة بالنقد في ثلاثيته الولايات المتحدة (1930-1936م). وتعتبر رواية جون شتاينبك عناقيد الغضب (1939م) من أقوى روايات الاحتجاج الاجتماعي في الأدب الأمريكي، فهو يصف معاناة مهاجرين من فلاحي أوكلاهوما إلى كاليفورنيا خلال فترة الكساد الاقتصادي والبطالة.


نهضة هارلم. بدأ أدب الزنوج في الازدهار خلال عشرينيات القرن العشرين في هارلم، وهي منطقة في مدينة نيويورك جمعت عددًا من الأدباء الزنوج الذين بدأوا لأول مرة في دراسة واكتشاف ثقافة الزنوج الأمريكية، وقد برز في هذا المجال عدد من الأدباء مثل جين تومر، وكاونتي كولن، وكلود مكاي ولانجستون هيوز الذي يعتبر أكثر كتاب مجموعة هارلم شهرة. وقد كتب الشعر والقصة القصيرة، واسكتشات تتسم بالفكاهة اللاذعة عن حياة الزنوج.



إرنست همنجواي
الجيل الضائع. عرفت الأديبة جيرترود شتاين الحركة الأدبية الجديدة حين قالت لإرنست همنجواي ¸إنكم جميعًا جيل ضائع·، وكانت شتاين تعني العديد من أدباء أمريكا من الشباب القلق الذي تجمع في باريس بعد الحرب العالمية الأولى.

كتب همنجواي عن هذا الجيل الضائع في روايته الأولى وتشرق الشمس من جديد (1926م) حيث يجول أمريكيون بلا جذور في أحياء فرنسا وأسبانيا في محاولة يائسة للبحث عن التسلية وعقيدة يؤمنون بها، وروايته التالية وداعًا للسلاح (1929م) وهي قصة حب مأساوية تقع أحداثها في إيطاليا أثناء الحرب العالمية الأولى. وبفضل هاتين الروايتين اكتسب همنجواي مكانته كأحد أشهر أدباء القرن العشرين، وأصبح أسلوبه البسيط السلس نموذجًا يحتذي به الكثير من الأدباء الشبان. اكتسب همنجواي معجبين جددًا بفضل أعماله الأخيرة لمن تقرع الأجراس (1940م) العجوز والبحر (1952م).

كان سكوت فيتزجيرالد أحد أهم أعضاء الجيل الضائع وترجع شهرته إلى رواية هذا الجانب من الجنة (1920م) التي صور فيها جيل الفتيات والشبان المتمردين في عصر موسيقى الجاز بعد الحرب العالمية الأولى. ويعتبر النقاد روايته جاتسبي العظيم (1925م) أفضل أعماله وهي تحكي عن رجل ذي مبادئ يتحطم تدريجيًا من جراء تأثّره بالأغنياء الذين يعيشون حوله.


وليم فوكنر
يمكن اعتبار وليم فوكنر أشهر روائي في هذه الحقبة. تجري أحداث معظم قصصه في جنوب الولايات المتحدة الذي أسماه (يوكنباتاوفا). استخدم فوكنر في روايته الصوت والغضب (1929م) تقنية تيار الوعي وكان يصف بالتفصيل تدفق الأفكار في عقول شخصياته. يبدو أن قصص فوكنر غير المألوفة، وأسلوبه المعقد لفتت نظر القراء إليها.


أصحاب اتجاه الإقليمية في الأدب. استخدم ممثلو اتجاه الإقليمية في الأدب أماكن جغرافية معينة كخلفية لأعمالهم، ولجأ كثير منهم إلى الأسلوب الواقعي أو أسلوب المدرسة الطبيعية لابتكار صور حقيقية للحياة.

ومن أشهر هؤلاء روبرت بن وارن ومارجوري كينان رولنجز وويلا كاثر وأول رولفاج وبيرل بك ومارجريت ميتشل التي تُرجمت روايتها ذهب مع الريح (1936م) إلى لغات متعددة، ووليم سارويان.


مولد جديد للشعر. مر الشعر الأمريكي بفترة انحسار على مدى عشرين عامًا بعد وفاة والت ويتمان عام 1892م. غير أن هاريت مونرو مهدت عام 1912م الطريق إلى إحياء نشيط للشعر حين أسست في شيكاغو مجلة الشعر وكانت أول مجلة مخصصة تمامًا للشعر تحولت بسرعة إلى ملتقى كبير لشعراء أمريكا في القرن العشرين الميلادي.

كتب أدوين آرلنجتون روبنسون، وروبرت فروست قصائد مهمة قبل عام 1912م، ولكنهما عُرِفا للجمهور بفضل ما أثارته مجلة الشعر من اهتمام الناس بهذا الفن الرفيع. وكتب روبنسون عدة قصائد سردية طويلة يقوم مضمونها على الأساطير، وبرع أدوين في تصوير الشخصيات مثل قصيدته مينفر تشيفي (1910م)، أما فروست فقد أصبح أحب الشعراء الأمريكيين وكانت قصائده تتميز بالبساطة وسهولة الأسلوب في الوقت الذي تتناول فيه مكامن النفس البشرية بعمق وتعتبر بعض قصائد فروست من الكلاسيكيات الحديثة.


التجارب في فن الشعر. قام عدد من شعراء مجلة الشعر بتجارب في شكل الشعر تجاوزت بقدر كبير محاولات فروست وروبنسون. كان هؤلاء الشعراء يرغبون في التحلل من التقاليد وإبداع شعر حديث يتفق وعصرهم. ومن بين هؤلاء المجددين في الشعر عزرا باوند وإيمي لوويل، وهما من دعائم جماعة الشعراء التصويريين في الشعر التي تؤكد على استخدام الحوار اليومي بين الناس وأوزان وإيقاعات جديدة للشعر، واستخدام صور واضحة، حادة الملامح. تركت قصائد باوند أثرًا واضحًا على الشعراء الشبان الأمريكيين والبريطانيين. كما حققت لوويل أهداف المدرسة التصويرية في قصائد مرهفة مثل زهور الزنبق (1925م).

حاول عديد من الشعراء الآخرين القيام بتجارب في كل من الشكل والمضمون. ربما كان تي.إس. إليوت أهم هؤلاء الشعراء، فقد أرست قصائده مثل أغنية حب ألفريد بروفراك (1917م) و الأرض اليباب (1922م) تقاليد حديثة للشعر الرمزي الصعب على الفهم كما كتب إليوت أعمالاً مهمة في النقد الأدبي. وقد أثرت نظرياته في تحليل الشعر على جماعة من كتاب أمريكا يعرفون باسم النقاد الجدد وكانت هذه الجماعة تركز على تحليل أسلوب الأديب ولغته والتقنية التي يستخدمها في الكتابة، ولم تهتم بدراسة حياة الأديب الشخصية. حصل إليوت على الجنسية الإنجليزية عام 1927م، ويعتبره الكثير من النقاد شاعرًا إنجليزيًا أكثر من كونه شاعرًا أمريكيًا. ومن شعراء أمريكا الذين تأثروا بأسلوب إليوت هارت كرين، وماريان مور، وولاس ستيفنز، وألن تيت. أما الشاعر إي. إي. كمنغز فقد سلك تجربته في الشعر بطريقة مختلفة بعض الشيء حيث استخدم النقط، والفواصل بطريقة غير عادية، وتخلى عن استخدام الحروف الكبيرة في بداية السرد كما هو متعارف عليه في اللغة الإنجليزية.


ازدهار المسرحية الأمريكية. قام يوجين أونيل بثورة في المسرح بفضل المواضيع الواقعية التي تناولها والتقنية الشجاعة التي استخدمها في مسرحياته. وقد اكتسب شهرة قومية وعالمية عام 1920م بمسرحيته وراء الأفق وهي مسرحية واقعية جدًا. أما أعماله التالية فتشمل تراجيديا الرمز مثل القرد الكثيف الشعر (1922م) ومسرحيات تتسم بالتحليل النفسي العميق مثل الحداد يليق بألكترا (1931م) وتقع أحداثها إبان الحرب الأهلية الأمريكية. أما تراجيديا أونيل رحلة النهار الطويل إلى الليل فيرجع مضمونها إلى حياته العائلية. يرجع الفضل في ازدهار المسرح الأمريكي خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين إلى أونيل الذي لعب دور الرائد في هذا المجال. ومن أهم مسرحيات تلك الفترة آلة الجمع (1923م) و منظر من الشارع (1929م) لإلمر رايس، و الجهاز الشتوي (1935م) لماكسويل أندرسون. أما روبرت شيروود فقد أثرى مسرحيات تلك الحقبة بمسرحيته الأب لنكولن في إلينوي (1938م) وغيرها من المسرحيات التاريخية المهمة.

قدم جورج اس. كوفمان، وموس هارت، ومارك كونلي الكوميديا الساخره التي تزخر بالدعابة الذكية، أما وجهة نظر كليفورد أوديتس عن المشاكل الاجتماعية فكانت أكثر جدية كما اتضح في مسرحيته في انتظار ليفتي (1935م). صدمت ليليان هيلمان الجمهور بواقعيتها المطلقة في مسرحية ساعة الأطفال (1934م)، وتقبل الجمهور مسرحيتها مراقبو نهر الراين (1941م) باستحسان كبير. كما أثر ثورنتون وايلدر على كتّاب المسرح بعده لحذفه المناظر وديكور المسرح في مسرحيته بلدتنا (1938م).

سجلت كوميديا هوارد ليندسي، ورسل كروز الحياة مع الأب رقمًا قياسيًا لعرضها على مسرح برودواي حوالي ثماني سنوات من نوفمبر 1939م حتى يونيو 1947م. وهذه المسرحية مأخوذة عن قصص قصيرة من تأليف كلارنس داي. كما كتب ليندسي وكروز مسرحيات هجاء سياسي أيضًا.

كانت بدايات الكثير من كتاب المسرح عبر حركة المسرح الصغير التي نمت وتطورت في أوائل القرن العشرين وشجعت الكتابة للمسرح والتمثيل.



كتّاب القصة القصيرة
كتّاب القصة القصيرة وكتّاب أدب الفكاهة. اكتسبت القصة القصيرة أهمية خاصة خلال القرن العشرين وقد اهتم بكتابة القصة القصيرة كثير من كتاب الرواية مثل همنجواي، وفوكنر. كان أو. هنري وهو الاسم الأدبي المستعار لوليم سيدني بورتر هو أكثر الأدباء صلة بالقصة القصيرة في تلك الحقبة، وكان يستخدم نهايات مفاجئة بنجاح كبير لدرجة أن هذه الطريقة أصبحت معروفة باسمه. وقد استمتع ملايين القراء بقصص أو. هنري مثل الغرفة المفروشة (1904م) و هدية ماجي (1905م).

كتبت كاثرين آن بورتر قصصًا منظمة بعناية فائقة تتميز بأحاسيس مرهفة. تتناول معظم قصصها شابات وفتيات في سن المراهقة وقد نشرت مجموعات أشهر قصصها بعنوان انتعاش يهوذا (1930م) و حصان شاحب، فارس شاحب (1939م). كتبت بورتر رواية واحدة فقط هي سفينة الحمقى (1962م).

جذبت القصص والمقالات والقصائد الفكاهية جمهورًا عريضًا. أثار رنغ لاردنر ودامون رنيون ضحك القُرَّاء باستخدامهم اللغة العامية واللهجات في قصصهم واسكتشاتهم. كتب روبرت بنشلي، وألكسندر وولكت، و إي. بي. وايت حكايات ومقالات هزلية، كما أفزعت دوروثي باركر بعض القراء بقصائدها التي اتسمت بالسخرية والذكاء والفكاهة.

من أشهر كتاب أدب الفكاهة جيمس ثيربر وأوجدن ناش، وكثيرًا ما كان ثيربر يقوم برسم صغير ضاحك ينشر مع قصصه، أما ناش فكان يسلي القراء بكلمات مصحفة، وتورية غريبة وإيقاع غير متوقع في شعره



من عام 1950م وما بعده
وضعت الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) حاجزًا كبيرًا بين القديم والحديث في المجتمع الأمريكي وفي أدب الأمة الأمريكية، فبعد الحرب ونتيجة للانفجار السكاني ظهرت مدن مزدحمة جدًا، وضواحٍ كبيرة وطرق مزدحمة وطرق سريعة، وشعر الكثير من الناس أن هذه الظروف المزدحمة تسبّبت في وجود تماثل في الأوضاع وكآبة في الحياة الأمريكية. كما تطلب الازدياد في السكان على مر السنين تقديم منتجات صناعية أكثر، مما أدى إلى استهلاك أكبر للمصادر الطبيعية وارتفاع نسبة تلوث البيئة. وفي الخارج شاركت الولايات المتحدة، في حروب باهظة التكلفة في كوريا وفيتنام، أما في الداخل فكانت تقارير الأنباء تذيع أحداث جرائم القتل، والتوترات العنصرية وأحداث الشغب وارتفاع نسبة الجريمة.

وجه كثير من أدباء أمريكا النقد بغضب لما اعتبروه عدم عدالة اجتماعية في الولايات المتحدة، وكتب آخرون عن شعورهم باليأس، وتساءلوا عن إمكانية استمرار الإنسانية رغم الدمار والعنف اللذين يبدوان كجزء طبيعي من سمات العصر، واعتقد بعض الأدباء أن هناك حاجة لطرق جديدة للتعبير الأدبي لتناول الحياة الحديثة بصورة مناسبة. وهؤلاء الكتاب انضموا إلى حركات حديثة في أدب الرواية والمسرحية والشعر.


روايات الحرب العالمية الثانية. كانت باكورة الروايات التي جذبت انتباه القراء بعد الحرب العالمية الثانية روايات عن الحرب نفسها. كتب إروين شُو رواية الأسود الصغيرة عن ثلاثة جنود يتقابلون في ساحة المعركة. وكتب نورمان ميلر روايته العُراة والموتى (1948م). وهي تصوير واقعي للجنود الأمريكيين المحاربين في المحيط الهادئ؛ كما تناول الكاتب هرمان يوك الصراع بين الضباط على إحدى سفن أسطول الولايات المتحدة. وقدم جيمس جونز في روايته من هنا إلى الخلود (1951م) حياة جيش الولايات المتحدة في هاواي قبل هجوم اليابان على بيرل هاربر.


إقليمية ما بعد الحرب. اعتمد بعض الكتاب على خلفيتهم الإقليمية في رواياتهم. استخدم رايت موريس ذكرياته عن نبراسكا في بعض رواياته مثل أغنية السهول (1980م) وتقع أحداث معظم قصص جون شيفر في نيوإنجلاند مسقط رأسه، كما تصور خلفية ثلاثية جون أبدايك إقليمية بنسلفانيا. أما لاري مكمرتري فقد وصف في رواياته مرحلة مراهقته في مدينة صغيرة في تكساس.

استخدم ج. د. سالينجر مدينة نيويورك كخلفية في كتاباته، وقد كتب أشهر رواية في الخمسينيات حصاد الهشيم (1951م) عن مشاكل شاب صغير نشأ في مدينة نيويورك.


أدباء الجنوب. تناولت كثير من الروايات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية المشردين في الأحياء الفقيرة. وكتب الكثيرون بتعاطف عن الشخصيات الغريبة والشاذة. ظهرت هذه العناصر خاصة في أعمال أدباء الجنوب الذين اتبعوا تقاليد وليم فوكنر. فعلى سبيل المثال نجد في كتابات مكالرز كارسون حكايات حزينة مرعبة عن شخصيات غريبة في رواياتها مثل انعكاسات على عين ذهبية (1941م) و ساعة بدون عقارب (1961م).

شكلت الحياة في مدينة صغيرة في الجنوب خلفية عدة روايات ليوُدورا ولِتي مثل: زفاف الدلتا (1946م)، وابنة المتفائل (1972م). وبدأ ترومان كابوت نشاطه الأدبي برواية متميّزة تقوم على أرضية جنوبية بعنوان أصوات أخرى، غرف أخرى (1948م). كما وصفت فلانري أوكونور المشاعر الدينية للفلاحين في الجنوب في روايتها الدم العاقل (1952م). كتب هاربر لي رواية عن العنصرية في مدينة صغيرة في ألاباما، أما رينولدز برايس فتقع خلفية رواياته في كارولينا الشمالية.


الأدباء الزنوج. أصبح الأدباء الزنوج، الروائيون والمسرحيون والشعراء، عنصرًا حيويًا في الأدب الأمريكي خلال الخمسينيات من القرن العشرين. كتب الأدباء الزنوج عن تجاربهم في الحياة الأمريكية. اختار الكثير من النقاد رواية رالف أليسون الرجل الخفي (1952م) كأحسن رواية عن حياة الزنوج في الولايات المتحدة في حقبة مابعد الحرب.

استخدم جيمس بولدوين ـ وهو من الأدباء الزنوج البارزين ـ هارلم في الثلاثينيات كخلفية لروايته التي تحكي سيرته الذاتية. ومزج إشمايل ريد الخيال والحقيقة لتقديم الحياة الأمريكية للزنوج في روايته رحلة بالطائرة إلى كندا (1975م)، وقدمت الأديبة توني موريسون، الحائزة على جائزة نوبل للأدب لعام 1993م، ح ياة الزنوج الأمريكيين من منظور نسائي يمزج الحقيقة والفن الشعبي للزنوج في رواياتها مثل: أغنية سليمان (1977م). أما أليس ووكر فقد تناولت العلاقات بين النساء والرجال الزنوج وبين بعضهن بعضًا في روايتها اللون الأرجواني (1982م).

قدم بعض الكتاب الزنوج حياة الزنوج في أمريكا في أشكال أخرى غير الرواية كالتراجم الذاتية أمثال إلدريدج كليفر، مالكوم إكس، كلود براون، جيمس بولدوين، مايا أنجيلو، وأليكس هيلي، كاتب الجذور (1976م) الذي تتبع فيها حياة عائلته من إفريقيا حتى الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان.

في مجال الدراما اكتسبت كتابات الأدباء الزنوج أمثال إد بولينز، لون إلدر، وأوجست ويلسون قبولاً واسعًا لدى القراء بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك أميري بركة مؤلف مسرحية سفينة العبيد (1969م) التي تتناول نقل العبيد السود.

طرق شعراء أمريكا الزنوج مجالاً واسعًا من الموضوعات أمثال نيكي جيوفاني التي اشتهرت في السبعينيات بديوانها بيتي (1972م) الذي تصف فيه مشاعرها لكونها زنجية.


روايات غير قصصية. يستخدم كاتب الرواية غير القصصية تقنية القصة بأسلوب وثائقي للكتابة عن أحداث وأناس حقيقيين. ربما كان ترومان كابوت أول من استخدم هذا التعبير، وقدم أشهر مثل على هذا النموذج في روايته مع سبق الإصرار (1966م) التي تتناول جريمة حدثت عام 1959م لعائلة في كنساس. قدم وليم ستايرون في رواية اعترافات نات ترنر (1967م) وصفًا لثورة العبيد في فرجينيا عام 1831م. أما جون هرسي فوصف مقتل عدة زنوج أثناء أعمال الشغب في دترويت بولاية ميتشجان، كما قدم نورمان ميلر في روايته أغنية الجلاد (1979م) دراسة عن حياة قاتل وإعدامه.


أدب المرأة. وصفت ماري مكارثي المهن والحياة الشخصية لعدة نساء شابات في روايتها الجماعة (1963م)، أما سوزان سونتاج فكتبت الرواية والمقال. أما أشهر أديبات أمريكا في الستينيات فهي جويس كارول أوتس التي كتبت العديد من الروايات والقصص القصيرة وتناولت إحدى رواياتها هم (1969م) الحياة العنيفة لامرأة وابنها وابنتها.

ركّزت آن تايلر على طبيعة الحياة العائلية من خلال وصف لشخصيات غريبة الأطوار في رواياتها مثل دروس في التنفس (1987م) كما اشتهرت مجموعات جين آن فيليبس القصصية التي تتضمن قصتها القصيرة التذاكر السوداء (1979م).


الفكاهة السوداء. شهدت الرواية الأمريكية خلال الستينيات تطورًا جديدًا، فقد مزجت الكوميديا والموضوع الجاد وأدخل الأدباء عناصر فكاهة وبهجة في رواياتهم وقصصهم التي تعالج موضوعات عنيفة أو مؤلمة تدعو للاكتئاب.

ساعد فلاديمير نابوكوف في تشكيل أسلوب الفكاهة السوداء. ففي رواياته مثل: النار الخافتة (1962م) ابتكر مزيجًا من الكوميديا والخيال والهجاء. ومن أدباء هذا الاتجاه أيضًا جوزيف هلر الذي صور الطيارين والعبث في المؤسسات العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية.

لعل من أشهر كتَّاب الفكاهة السوداء كيرت فونيجت الابن الذي صور الجنون في المجتمع في كتاباته التي تشمل مهد القط (1963م) حيث مزج الفكاهة والمأساة.

استخدم جون بارث الرمز الساخر لوصف عناصر الرعب في الحياة الحديثة. وقدم كن كِسي مستشفى أمراض عقلية كرمز للحياة الحديثة في رواية طائر فوق عش الوقواق. وكتب دونالد بارثلمي، وجيرزي كوسينسكي حكايات الجن لوصف جنون المجتمع الحديث من خلالها. كما أحرز بول ثيروكس شهرته لتسجيله الدقيق لحماقات الإنسان ونقده البارع لها في رواياته مثل ساحل الناموس (1982م).


كتـَّاب المسرحية الجدد. برز بعض كتاب المسرحية المهمين في فترة مابعد الحرب. تناول تنيسي وليمز العقل الإنساني في مسرحياته السيكولوجية الجريئة مثل هواية الحيوانات الزجاجية (1945م) و عربة اسمها اللذة (1947م) وهما من كلاسيكيات المسرح الحديث. كتب وليم إنج مسرحيات واقعية عاطفية عن حياة الطبقة المتوسطة في الغرب الأوسط في أمريكا مثل الظلام عند أعلى السلم (1957م). أما آرثر ميلر فقد مزج الرمزية والواقعية في المسرحية الاجتماعية. وأكثر مسرحياته شهرة موت بائع متجول (1949م).

يعتبر مسرح العبث أقوى حركة في المسرح الحديث. حيث يقدم هذا المسرح أعمالاً غير واقعية تؤكد على العبث واللامعقول وغياب معنى الحياة الحديثة. كانت باكورة أعمال إدوارد ألبي، بوصفه كاتبًا من كتاب مسرح العبث، مسرحيتين تقع كل واحدة في فصل واحد، ساندبوكس (1960م) والحلم الأمريكي (1961م) ولكن ترجع شهرة ألبي حقيقة إلى مسرحيته من يخاف من فرجينيا وولف (1962م) وهي دراسة واقعية قاسية للزواج.

استخدم العديد من كتّاب المسرحية الأمريكيين تقنية مسرحية واقعية بالرغم من أنهم ليسوا بالضرورة من كتاب مسرح العبث، ومن هؤلاء الكتاب آرثر كوبيت، جين كلود فان إيتاليي، وديفيد ريب الذي تُصوِّر أعماله أثار حرب فيتنام في الحياة الأمريكية، أما سام شيبرد فقد مزج الواقع بعناصر الخيال في نقده الساخر للمجتمع الأمريكي في الطفل المدفون (1978م).

هاجم ديفيد ماميت مجال الأعمال الأمريكي في مسرحيته الجاموس الأمريكي (1975م)كذلك برز عدد من كاتبات المسرح الأمريكيات في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين مثل بيث هنلي، ومارشا نورمان، ووندي وازيرشتاين.

كتب الأديب المسرحي نيل سايمون أكثر المسرحيات رواجًا في تاريخ المسرح الأمريكي فله عدة مسرحيات كوميدية عن صراع الناس للبقاء في هذا العالم المعاصر المحموم.


الشعر الذاتي وشعر الاعتراف. اندثرت مع بداية الحرب العالمية الثانية نهضة الشعر التي ازدهرت في أوائل القرن العشرين. بدأت ثورة جديدة بعد الحرب ضد القصائد التي تفتقر إلى الخصائص الذاتية والعاطفية وبدأ عدد من الشعراء ينتهج منهج الذاتية المطلقة في أسلوبه. سجل شاعران مبرزان من فترة ما بعد الحرب تجاربهما إبان الحرب. كتب راندل جاريل قصائد تتسم بالمرارة عن الحرب في ديوانه صديق صغير، صديق صغير (1945م) أما كارل جاي شابيرو فأفضل قصائده قصائد حب أحد الجنود لفتاته في الولايات المتحدة.

كتب ثيودور روثكي ذكرياته عن المستنبت الزجاجي للنباتات ومحلات زهور عائلته في ديوانه الاستيقاظ (1953م) واستمد ريتشارد ويلبر مادته من الطبيعة والحياة خارج المدينة في ديوانه أشياء هذا العالم (1956م).

تعكس باكورة قصائد روبرت لوويل أشهر شعراء أمريكا بعد الحرب خلفية نيوإنجلاند، وقد كتب قصائده بأسلوب قاس بعض الشيء وبطريقة تقليدية متبعًا نهج ت. إس. إليوت ولكنه أعلن فيما بعد أنه غير راضٍ عن باكورة شعره وتحول إلى شعر أكثر ذاتية فكتب ديوانه دراسات في الحياة (1959م) وهو مجموعة من قصائد الشعر الذاتية.

كانت سيلفيا بلاث أكثر شعراء الاعتراف شهرة، وقد زادت شهرتها بعد انتحارها عام 1963م. ولها عدة دواوين تحوي قصائد جادة منها ديوان آريل (1965م). أما آن سكستون وهي من شعراء الاعتراف أيضًا فقد انتحرت هي الأخرى. يبدو أن فكرة الموت كانت تسيطر عليها كما ظهر في كثير من قصائدها مثل ديوان: مذكرات الموت (1974م).

كتب عدد من شعراء الاعتراف قصائد طويلة وذاتية إلى درجة كبيرة، وأشهرها 77 أغنية أحلام (1964م). ولعبته، حلمه، راحته (1968م) التي كتبها جون بيريمان، وكذلك الصلاة والرجاء المتكرر (1979م) لجون آشبري، كما ألف جيمس مريل ثلاثية من الشعر القصصي وضعها في إطار من حياته الشخصية (1982م).


حرب فيتنام. أصبحت حرب فيتنام موضوعًا لعدة روايات في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. كتب تيم أوبراين رواية سريالية عام 1976م حكى فيها عن عزم أحد الجنود الهرب من الحرب. وقدم جون م. ديل فيشيو في الوادي الثالث عشر (1982م) قصة حقيقية رصينة عن الصراع والوهم وخيبة الأمل في حرب فيتنام. كما تناول بوبي آن ماسون حياة فتاة قُتِل والدها في حرب فيتنام قبل أن تولد. أما لاري هاينمان فيستكشف حياة جريح من محاربي فيتنام في قصة باكو (1987م).

مع بداية الألفية الميلادية الثالثة يرى كثير من المتعلمين الأمريكيين ضرورة توسيع مفهوم الأدب الأمريكي. فهم يرون أن الدراسات النقدية التي أجريت على الأدب الأمريكي اهتمت، بالدرجة الأولى، بأعمال الأدباء البيض الذكور. وينكب الآن النقاد والمهتمون على دراسة الأدب الزنجي وغيره من آداب الأقليات الأخرى بالإضافة إلى أعمال النساء. وهناك، أيضاً، اهتمام متزايد بأشكال الأدب غير التقليدية مثل الصحف والأعمال غير المنشورة.