أول تقرير عن مذكرات تحية كاظم
أسرار لم تنشر من قبل عن جمال عبدالناصر
- أنور السادات لم يشترك في الثورة ومقالاته في جريدة الجمهورية كتبها الرئيس - أجري الرئيس جراحة الزائدة الدودية في مستشفي مظهر عاشور ولم يخبرني
- الطائرة والسيارة والفرس التي أهداها له الملوك العرب ذهبت إلي الدولة - رفض هدية بمائة ألف جنيه من ثري عربي قائلا: لم أقم بالثورة من أجل الحلي والمجوهرات
- كنا نطفئ شمع الاحتفال بعيد ميلاده وحدنا وكان يكتفي بتحيتنا وهو يبتسم خارجا
- «ذكريات معه».. عنوان مذكرات تحية كاظم التي كتبتها باسم تحية جمال عبدالناصر في 24 سبتمبر 1973.. قبل أربعة أيام من الذكري الثانية لرحيل زوجها الذي تصفه بـ«القائد الخالد..
زوجي الحبيب »
- رفض زواج هدي ومني من أبناء باشاوات سابقين وعجل بزفافهما لأنه صعيدي

عاشت معه ثماني سنوات قبل الثورة وثماني عشرة سنة وثلاثة أشهر بعدها.. ثم كانت المرحلة الثالثة القاسية بعد وفاته.. " فأنا لم أفتقد أي شيء الا هو.. ولم تهزني الثمانية عشر عاما ( في الحكم ) إلا أنه زوجي الحبيب.. اي لا رئاسة جمهورية ولا حرم رئيس الجمهورية ".
كتبت تحية مذكراتها علي ورق مسطر في نحو 175 صفحة وأودعها أبناؤها وبناتها خزانة أحد البنوك لاختيار الوقت المناسب لنشرها.. وكان هذا الوقت هو شهر يناير الجاري.. واختيرت دار الشروق ــ أكثر دور النشر المصرية احتراما واحترافا ــ لتحظي بهذا العمل الإنساني الرفيع.
المذكرات هي النسخة الثالثة لما كتبته تحية فقد سبق أن كتبتها أول مرة عام 1959 أيام الوحدة بين مصر وسوريا وأمضت في كتابتها ثلاث سنوات بعلم الرئيس ثم قررت حرقها قائلة: " إني سعيدة كما أنا لا أريد أن أكتب شيئا ".. وبعد رحيله عاشت مع ذكرياته وكررت التجربة وسط دموعها.. لكنها وضعت القلم وتخلصت مما كتبت قائلة " صحتي لم تتحمل ".
في المرة الثالثة طلب منها أصغر ابنائها عبد الحكيم أن تكتب وألح عليها لأنه متشوق لمعرفة كل شيء عن والده العظيم.. فكتبت ولم تتخلص مما كتبت.
كانت البداية علاقة عائلية بين الأسرتين حمست جمال لطلب يدها.. لكن شقيقها الأكبر عبدالحميد الشديد في البيت وله حياته الخاصة خارجه رفض لكنه عاد ووافق بعد وفاة أمها وحدد موعدا لمقابلة جمال 14 يناير 1944 وحدد موعد الخطوبة بعد أسبوع وكان الزفاف بعد خمسة أشهر.. لكنها لم تر الشقة التي تزوجت فيها.. وكان الزفاف يوم 29 يونيه من نفس السنة.. وليلتها " صعدنا السلالم حتي الدور الثاني ثم حملني حتي الدور الثالث.. مسكننا ".
لم يكن يحب الاختلاط خاصة بين الضباط " وكنت أعرف ضيوفه من أصواتهم ".. وكان يستعمل بطارية صغيرة عند نزوله السلم ولو كان مضاءً.. وكان منظماً في كل شيء.. " ولا يحب أن يساعده أحد في لبسه " ولا في خلق وتعليق ثيابه.. وكان " يخرج معي مرة كل أسبوع وغالبا إلي السينما ".
بالرغم مما فعله شقيقها عبدالحميد معه إلا أنه بعد إصابة عبد الحميد بالدرن ظل بجانبه لا يخشي العدوي وعندما توفي عبد الحميد عاد حزينا لم يأكل ولم يسمع أم كلثوم ورفض أن يخبرها بما جري خوفا عليها بعد أن أنجبت خالد بأيام قليلة.
في يوم 16 مايو 1948.. اليوم التالي لإعلان الحرب في فلسطين سافر إلي هناك.. " كان ينزل السلالم مسرعا ووقفت وأنا أبكي ".
وهناك حزمة من الخطابات التي أرسلتها إليه وهو هناك لتطمئنه علي عائلته الصغيرة (هي وهدي ومني) لكن فوجئت عندما عاد في إجازة بإصابة في صدره ناحية القلب.. وبعد أن عاد للميدان انقطعت أخباره لتعرف بالمصادفة أنه أسير في الفالوجا.. لكنه رغم ذلك كان يطلب منها " أن تفسح هدي دائما وتأخذها جنينة الحيوان وجنينة الأسماك ".. وفي أيام انتظار عودته راحت تشغل له بلوفر دون اكمام لونه رمادي.. لونه المفضل.
بما فاض من مرتب الحرب المضاعف اشتري سيارته الأوستن السوداء.. ولكنه في الوقت نفسه بدأ في تخزين الأسلحة بالبيت وكتب بنفسه علي الماكينة الكاتبة منشورات الضباط الأحرار.. كما كان يقرأ كتابا ممنوعا عن اشتراكية أبو ذر الغفاري.. كل شيء في بيته كان ضد السلطة.
وكان يحذرها من أن تفتح للغرباء في غيابه خوفا من تفتيش البيت قائلا: " لا تخافي " أقفلي الباب في وجوههم.. وذات يوم قالت له إنها تعرف أنه يخالف الحكومة لكن ما هو الهدف فكان رده: " الأحسن أن لا تعرفي شيئا وتظلي كما أنت ".. فكان أن قالت: " خليني زي ما أنا أحسن.. لا أفهم شيئا".
وهي حامل في خالد تمني بنتا ثالثة: " شوفي يا تحية قد إيه هدي ومني وهما رابطين الفيونكات في شعرهما شكلهما جميل.. إن شاء الله لما يبقوا ثلاث بنات بهذا الجمال والفيونكات سيكونون أجمل ".
تزايد عدد الضباط المترددين علي البيت وكان منهم أنور السادات الذي حضر ولم يجد جمال.. ووصفته بأنه " اسمر شديد السمرة ".. فقال جمال: " إنه متزوج حديثا وزوجته بيضاء جدا ".
وعندما قالت له ذات يوم وقد عاد إلي البيت فجراً إنها تخاف عليه وعلي أولادها من التشرد رد قائلا: " يا للأنانية كل ما يهمك في البلد هو زوجك وأولادك.. يعني لا تفكري إلا في نفسك ".
وقبل موعد الثورة بيومين لم ينم.. وليلة الثورة طلب منها أن تأخذ هدي ومني وخالد وتخرج للسينما لكنها فضلت ان تمشي بالقرب من حديقة قصر القبة.. وفي الساعة الحادية عشرة مساء عاد وارتدي ملابسه العسكرية علي غير عادته وادعي وهو خارج أنه مشغول في تصحيح اوراق كلية أركان الحرب.. وبعد ساعة سمعت طلقات رصاص.. وجاء أخواه وظلا صامتين وكأنهما يعرفان شيئا.. وعندما سمعا صوت المدرعات هللا فرحا فقد قال لهما جمال " إذا رأيتم الجيش نازل والدبابات والعربات اعرفوا
إني نجحت ".. وفي السادسة صباحا جاء ثروت عكاشة قائلا: " أهنئك من كل قلبي نجح الانقلاب ".. لكنها تساءلت: أين جمال.. فقال: " قريب منك بينك وبينه خمس دقائق ".
بعد أسبوع من الثورة ألغي نظام المراسلة وأدخل التليفون البيت.. وفي أكتوبر من نفس السنة انتقلوا إلي بيت كوبري القبة ولم يكن يعجبها فقد كان أقرب للثكنة العسكرية.
وتوالت الاتصالات التي كانت تأتي من كل فئات المجتمع لكن المكالمة التي أسعدتها كانت مكالمة من أم كلثوم التي طلبت موعدا لمقابلة جمال عبدالناصر.
في مايو 1953 اختفي زوجها دون أن تعرف مكانه لكنها فوجئت بزيارة من عبد الحكيم عامر.. جاء ليخبرها أنه بخير بعد أن أجري عملية الزائدة الدودية في مستشفي مظهر عاشور.. وبعد أسبوع عاد زوجها إلي البيت.. ثم سافروا جميعا إلي مرسي مطروح مع عائلة الدكتور مظهر عاشور للاستجمام هناك.
وبعد تمرد سلاح الفرسان توقع جمال أن تحاصر الدبابات بيته وتطلق النار عليه ففضل أن يكون البيت خاليا من عائلته.
وأكبر فرحة عاشها جمال في تلك الأيام هي ظهور صحيفة الجمهورية التي صدر ترخيصها باسمه وكان أبرز كتابها أنور السادات.. لكن.. " الذي كان يكتبها هو جمال عبدالناصر ".. " ومرة قلت له: " إن هذه المقالة من كلامك وقد عرفت وفهمت إنك كاتبها.. فرد وقال: نعم ".
وقد تعود جمال أن يضع مصحفا ذا غطاء معدني في جيبه لكنه لم يجده وهو مسافر إلي الإسكندرية في صيف 1954 فأعطيته مصحفا آخر ثم وجدت المصحف الأول فجريت وأعطيته له ومن يومها وهو يخرج بالمصحفين.. وبفضلهما نجا من ثماني رصاصات أطلقت عليه في المنشية.
وما أن يعود إلي البيت حتي يضع المصحفين في مكان لا يتغير من الحجرة وهو ما فعل في يوم 28 سبتمبر 1970 " وأنا الآن محتفظة بهما
وأعتز بهما ".
وفي فترة المباحثات بين مصر وبريطانيا حول الجلاء بدأت زوجات السفراء الأجانب يتصلن بزوجة الرئيس.. لكنني " كنت أجد صعوبة في التحدث باللغة الإنجليزية ففكرت في اتقانها وأحضرت كتبا وبدأت اقرأ كثيرا بمساعدة أستاذة في اللغة الإنجليزية ".. " أما اللغة الفرنسية فكنت قد قضيت بضعة سنوات وقت الدراسة أتعلمها ".
ولمدة ست سنوات من مسئوليته السياسية لم نعد نخرج سويا.. وكان يقول لها المهم أن تخرجي وتنبسطي.
وحضر الرئيس اليوغسلافي وزوجته إلي القاهرة وأقمنا لهما مأدبة عشاء.
وبسبب تعديلات في البيت أقمنا بعض الوقت في قصر الطاهرة.. لكن " لم يكن الرئيس مرحبا بالإقامة في قصر الطاهرة ويشعر أنه غير مستريح وكان يقول لي: لا أحب القصور ولا الحياة في القصور ،
ويستعجل الانتهاء من البناء ".
وتكرر ترك العائلة للبيت بعد العدوان الثلاثي عام 1956 إثر تأميم قناة السويس وكان البيت المؤقت هذه المرة في الزمالك في شارع ضيق كانت تملكه أميرة من العهد السابق ولكنها لم تكن تقيم فيه.. وبعد خمسة أيام عادوا إلي منشية البكري.
لم يكن هناك مواعيد للأكل مطلقا.. خاصة الغداء.. أما الإفطار فكان يطلبه في غرفة النوم وأحيانا كان يتناول كوب لبن أو عصير فاكهة.. " أما العشاء فكان يتناوله بمفرده أو أتناوله معه إذا كان الوقت متأخرا وغالبا ما يكون جبنة وزبادي وفاكهة.. والأكل عموما لا يكون متعدد الأصناف.. " يعني لحم وخضار وأرز ".
ولم يكن الرئيس يضرب أولاده.. " الطفل الذي يضرب يخاف ولكي يحمي نفسه يكذب ". كانت يوغسلافيا أول رحلة لها إلي الخارج ووصلوا إليها بالباخرة الحرية وكان الاستقبال الرسمي في ميناء دبروفنج من الرئيس تيتو وزوجته.. "
وكنت أول مرة أشاهد استقبالا رسميا أو أكون في مكان رسمي ".
في المساء ونحن بمفردنا قال لي: لقد قلت لك سلمي علي رئيس الجمهورية فوجدتك صافحتي المترودتيل أولا ".
في خريف 1958 مرض الرئيس بالسكر " فحزنت جدا ".. " كنت أنزل الحديقة بمفردي وابكي ".. و" انقطعت عن أكل الحلوي ".. لكنه قال: " الحمد لله السكر أخف من أمراض أخري كثيرة ".
أول عشاء رسمي كان علي شرف الإمبراطور الإثيوبي هيلاسي لاسي.. حضره الوزراء والسفراء وزوجاتهم.. " شعرت بدقات قلبي واغماء وكنت جالسة بجوار الرئيس والإمبراطور وأخبرته بما أشعر به فقال لي أن اذهب واستريح في حجرة مكتبه ".. وفي اليوم التالي لم يثبت الفحص الطبي شيئا.. لكن الحالة نفسها تكررت في عشاء رسمي آخر علي شرف الرئيس نهرو.. فأعطاها الطبيب اقراصا لتحتمل الحالة.. علي
أنها بعد ان تعودت علي هذا النوع من الدعوات لم تعد تعاني منها.
وفي الزيارة الرسمية لليونان كانت قواعد البروتوكول تفرض ان يـتأبط الرئيس ذراع الملكة ويتأبط الملك ذراع تحية لكنها شعرت بالحرج فأنقذتها الملكة وسار كل رجل بجانب زوجته.
كان الرئيس يهوي مشاهدة أفلام السينما.. وأثناء المشاهدة كان يقرأ ما يأتيه من مذكرات علي ضوء البطارية وأحيانا كان يترك الفيلم ويذهب إلي مكتبه.. وكان الرئيس يحب التصوير بالكاميرا العادية وكاميرا السينما وكثيرا ما كان يعطي الاولاد الكاميرا " ليلتقطوا صورا لنا ".
ولم يكن ينسي أعياد ميلاد الأولاد ويطلب شراء هدايا لهم ويحب سماع أم كلثوم ويطلب تسجيلات لأغانيها وأحيانا كان يسجلها بنفسه ويستمع للتسجيل بصوت خافت وهو يعمل في حجرته.
وكان الرئيس لا يقبل هدية إلا من رئيس دولة
ويفضل أن تكون رمزية وقد أهدي عربات من الرؤساء والملوك وبالأخص العرب وطائرة ومركب وفرس من رؤساء دول صديقة.. وكلها سلمها للدولة ولم يترك بعد رحيله إلا العربة الاستن السوداء وقد ظلت باسمه في قلم المرور ".
أما الساعات التي كان يتلقاها من الملوك العرب فكان يهديها للضباط الذين خرجوا معه ليلة 23 يوليو.
وذات مرة أحضر كبير الأمناء صلاح الشاهد هدية من أحد الأثرياء العرب عبارة عن مجوهرات ثمينة لكن الرئيس رفضها وكانت تساوي 100 ألف جنيه وقال: لم أقم بالثورة من أجل مال أو حلي ومجوهرات.
بعد نجاح هدي في الثانوية العامة دخلت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أما مني فلم تأتي بالمجموع الكافي لتلحق بها في نفس الكلية ورفض أبوها أن تدخلها بتوصية من وزير التعليم العالي ودخلت الجامعة الأمريكية.
في الكلية التقت هدي بزميلها الذي يسبقها
في الدراسة حاتم صادق وهم في مباريات كرة السلة وأخبرت أمها بأنه يريد التقدم إلي خطبتها بعد تخرجه فلم تخبر الرئيس ولكن هدي أخبرته.
تطرق الحديث بيننا فقال لي إنه تلقي طلبات من كثيرين تقدموا لخطبة هدي ومني من أولاد الأغنياء والباشاوات السابقين وأعتذر بأنهما يكملان دراستهما ويبلغهم شكري السكرتير الخاص ".
في أغسطس 1965 تزوجت هدي وبعد انتهاء حفل الزفاف وعندما غادرت البيت صافحها الريس وقبلها وبكي.
أما مني فقد تعرفت علي أشرف مروان في نادي هليوبوليس وكانت صديقة لشقيقته وقبل التخرج في الجامعة تم الزفاف يوم 7 يوليو 1966.
وعندما جاءت ابنة هدي وابن مني " قال الرئيس لي أهلا بالجدة ".
يوم 5 يونيه 1967 وقع العدوان الإسرئيلي
الشهير وكان الرئيس قد حدد موعده بالضبط من قبل.
يوم 9 يونيه ألقي الرئيس خطابا " وكنت جالسة في الصالة كعادتي وقت إلقائه خطبه أمام التليفزيون ومعي أولادنا ورأيت الحزن علي وجهه وهو يتكلم ولم أكن أعرف أو عندي فكرة أبدا عن التنحي ".. قال عبد الحميد " أحسن يا ماما علشان بابا يستريح ".. ولم تمض دقائق حت وصلنا صوت الجماهير الرافضة للتنحي.. وجاء نواب الرئيس والوزراء في الدور الأول " ومنهم من كان يبكي ويصعد السلالم ويطلب الدخول علي الرئيس في حجرته ".
نزل الرئيس إلي الدور الأول ومكث معهم وقتا قصيرا ثم صعد إلي حجرته وخلع البدلة وارتدي البيجامة ورقد في السرير وأخذ مهدئاً وقال: سأنام ".
أعلن أنور السادات الذي كان رئيسا لمجلس الأمة عودة الرئيس إلي منصبه وبعد أسابيع سافرت العائلة إلي الإسكندرية ولحق بهم
الرئيس في شهر سبتمبر بعد " أن أحبط مؤامرة دبر لها المشير للرجوع إلي منصبه بالقوة.. أمضي جمال أياما قليلة معنا وفوجئ بانتحار المشير.. تلقي النبأ بحزن عميق ورجع إلي القاهرة ورجعت مع الأولاد في اليوم التالي ".
في عام 1968 شعر الرئيس بألم في ساقه استمر اشهر " ولم أره قد قلل الشغل أو استراح أبدا ".. وتقرر سفره إلي استنبول في الاتحاد السوفيتي للعلاج بمياه معدنية لمدة ثلاثة أسابيع وشفي تماما وكررها في العام التالي.. ولكن هناك نصحه الأطباء بالامتناع عن التدخين وكانت آخر سيجارة أطفأها قبل عودته.
وفي صيف 1969 تعرض للنوبة القلبية الأولي وتقرر عمل أسانسير حتي لا يصعد درجات السلم القليلة.. لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن العمل وظل يعطي أوامره بالتليفون.
آخر عيد ميلاد للرئيس كان في 15 يناير 1970 واحتفلت عائلته به في القناطر الخيرية
وقدم كل فرد فيها هدية رمزية له.. " ولم يكن يشاركنا الاحتفال أبدا.. كنا نحضر الحلوي ونضع عليها الشموع ونطفئها كلها وكان يخرج من حجرته ويري ذلك فيبتسم ويحيينا وينزل إلي مكتبه أو يخرج ".
لم يكن الرئيس يتنقل داخل الجمهورية بالطائرة.. حتي أسوان كان يذهب إليها بالقطار.
وفي الصيف الأخير نجح عبدالحكيم بمجموع 84 % في الثانوية العامة وأحضر الرئيس له هدية بسيطة كاميرا أو راديو ولكنه قال لوالده إنه يريد الذهاب إلي لندن بالطائرة مع المهندس سعد الصيرفي الذي يرافق الرئيس في رحلاته وكان حكيم يقابله في السكرتارية.. " فقال له الرئيس وكنت في الحجرة وقت دخول حكيم: إن لك أخوة في الجبهة الآن في الحر وأنت تذهب إلي لندن إن شاء الله بعد ما يطلع اليهود أرسلك تسافر كما تشاء حتي لو طلبت السفر إلي طوكيو ".
كنت أجلس مع الرئيس في حجرته وتحدث معي عن انور السادات نائب الرئيس وقال: إنه أطيب واحد ويحبنا.. ولا ينسي ابدا.. ودائما يقول لي أنا لا أنسي فضلك.. لم اكن في الثورة وأنت بعت لي وجبتني وقال لي الرئيس: أنت عارفة أنه مكانش في الثورة وأنا بعت جبته؟ فقلت: نعم أعرف ذلك.. ولم يكن انور السادات في القاهرة وقت قيام الثورة وارسل الرئيس في طلبه من رفح ".
بعد القمة الطارئة لإنقاذ الفلسطينيين من مذبحة الأردن عقدت القمة العربية الأخيرة في حياة الرئيس الذي مكث في فندق هيلتون حتي انتهت القمة بالتوافق الذي كان ينشده.
في اليوم الأخير رجع الرئيس من المطار بعد وداع أمير الكويت في الثالثة بعد الظهر.. قالت هدي بصوت خافت: " ماما بابا تعبان شوية وسينام ".. لكنه رآها فقال: تعالي يا تحية وأشار إليها ان تجلس.. فجلست علي طرف السرير وسألها هل تناولت طعام الغداء فأجابت نعم وبقيت بالقرب منه عشر دقائق وهو راقد يتكلم.
وحضر الدكتور الصاوي حبيب وطلب عصيرا للرئيس فأعدته تحية بنفسها وبعد أن شربه قال لها: متشكر.
خرجت من الحجرة وجلست في حجرة المكتب، وبعد دقائق حضر دكتور اختصاصي.. منصور فايز فقلت له بالحرف: أنت جيت له يا دكتور دلوقتي؟
أنا لما بأشوفك بأعرف إن الرئيس تعبان وبأكون مشغولة.. فرد وقال: أنا معتاد أن أحضر كل أسبوع في يوم الاثنين واليوم الاثنين.. ودخل للرئيس.
بقيت جالسة في حجرة المكتب وسمعت الرئيس يتحدث، وسمعت الراديو.. نشرة الأخبار في إذاعة لندن.
قالت لي مني ابنتي: بابا بخير والحمد لله.. تعالي نخرج من هنا.. وخرجت معها وجلسنا علي الترابيزة في حجرة السفرة، وبعد دقائق جاء لي الدكتور الاختصاصي وقال: الرئيس الآن تحسن وإذا أردت الدخول له فلتدخلي.. وأخذ يدخن سيجارة فقلت له: لا داعي حتي لا يشعر أني قلقة.
بعد لحظات جاء الدكتور الصاوي يجري مسرعاً وقال: تعالي يا دكتور.. ودخل الدكتور يجري، ودخلت لحجرة المكتب ومنعتني مني من الدخول لوالدها وقالت: إن بابا بخير لا تخافي يا ماما، وأجلستني في حجرة المكتب وجلست معي. وبعد فترة حضر دكتور آخر ثم دكتور ثالث.. فدخلت عنده ووجدت الأطباء بجانبه يحاولون علاجه.. وكنت أبكي وخرجت حتي لا يراني جمال وأنا أبكي، ثم دخلت له مرة ثانية وازداد بكائي وخرجت وجلست في حجرة المكتب، ودخل عدد من السكرتارية، ثم حضر حسين الشافعي ومحمد حسنين هيكل.. وكل واحد يدخل الحجرة ولا يخرج منها.. وكنت أبكي.
أصرت مني أن أخرج إلي الصالة فكنت أمشي وأقول: جمال جمال.. ووجدت الكل يخرج وينزل السلالم فدخلت مسرعة.. رأيت حسين الشافعي يخرج من الحجرة يبكي ويقول: مش معقول يا ريس! وحضر خالد وعبدالحكيم في هذه اللحظة ولم يكونا في البيت ولا يدريان شيئاً، ودخلا مسرعين، وحضرت هدي وكانت لا تعلم بما جري بعد ذهابها لبيتها.
دخلت للرئيس ووقفت بجواره أقبله وأبكيه، ثم خرجت من الحجرة لأستبدل ملابسي والبس ملابس الحداد.. ونزلت مسرعة إلي الدور الأول ووجدت الكل.. الأطباء والسكرتارية وهيكل وحسين الشافعي وأنور السادات والكل واقف في الصالون.
قلت لقد عشت ثمانية عشرة عاما لم تهزني رئاسة الجمهورية ولا زوجة رئيس الجمهورية وسوف لا أطلب منكم أي شيء أبداً.. أريد أن يجهز لي مكان بجوار الرئيس لأكون بجانبه.. وكل ما أرجوه أن أرقد بجواره.
خرجت إلي الصالة وجاء لي هيكل والدكتور الصاوي وطلبا مني أن أصعد للدور الثاني، ثم ادخلني الدكتور حجرتي وأعطاني دواء بضع حبات وظل بجانبي، ثم أعطاني حقنة. وحضرت إحدي قريباتي وظلت معي، وجاء عبدالحميد من إسكندرية ودخل لي في الحجرة وهو يبكي وقال: لقد قالوا لي إن بابا تعبان وحضرت في طائرة، ودخلت هدي ومني.. ولم أدري ما مضي من وقت.. فقمت لأخرج من الحجرة فقال لي الدكتور: لم قمت؟ فقلت سأذهب وأجلس بجانبه.. فقالت هدي: لقد ذهب بابا لقصر القبة.. وذهبنا معه.. فقلت: حتي الآن أخذوه!
والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتي حزينة أبكيه.. وقد زاد حزني حسرة، وسأظل أبكيه حتي أرقد بجانبه في جامع جمال عبدالناصر بمنشية البكري.. وقد جهز لي المكان كما طلبت.
إنه جمال عبدالناصر الذي عاش عظيماً.. وهو في رحاب الله عظيماً.. تاريخه وحده هو شاهده.

تحية جمال عبد الناصر


منقول عن جريدة الفجر
http://www.akhbarak.net/article/2275732